Wednesday, 4 April 2007

| ... أوفيليا


أيها الفارس الوسيم ..

القادم من بعيد ..

أسرع .. و لا تتمهل .. حتى لا يفوتك الحدث ..

أسرع لتلقى نظرة الوداع .. على الأميرة ...


لا لم تكن أميرة من قبل فى حياتها .. أنت من جعلتها الاميرة .. فقط بعد مماتها .. أنت من ستخلد ذكراها للأبد ..

كان الردى هو بوابتها الذهبية نحو الخلود ...

أسرع أيها الفارس النبيل .. أسرع ..

أسرع لتضمها الضمة الأولى .. و الأخيرة .. قبل أن يضمها القبر الى الأبد ..

تغار من القبر .. و تحقد عليه .. لقد إختطف منك حبيبتك .. تريد أن تنتزعها من بين مخالبه .. لكن أحدا من قبل لم يستطع أن يكون ندا للقبر ..

من ذا الذى يستطيع مبارزة القبر لكى يفوز بعروسه ؟! .. حتى انت ايها الفارس القوى الشجاع النبيل !

تتساءل لماذا فضلت عروسك القبر عليك ؟ هل هو اكثر وسامة ؟ هل دفع مهرا أغلى ؟ هل أهداها أساور الذهب و عقود الماس ؟

لا .. لم يفعل .. لقد همس فى أذنها بكلمات سحرية .. كان رقيقا حنونا عندما كنت أنت باردا و قاسيا .. مسح دموعها عندما سالت بسببك .. وعدها أن يكون لها الى الابد عندما هجرتها أنت و سافرت بعيدا .. و هو صادق فى هذا كل الصدق .. هل رأى احدكم قبورا تكذب ؟هل رأى أحدكم قبورا تهجر ساكنيها أو تطردهم من قبل ؟!

طلب من الموجات الصغيرة أن تمتدحه لديها .. لذلك داعبت تلك الموجات قدميها و لثمتها عندما خطت واجلة داخل النهر لأول مرة .. دغدغتها ضاحكة و حدثتها عنه كثيرا .. أخبرتها عن قلبه الطيب الأبيض النقى على الرغم من وجهه الطينى القبيح .. ودّعت الموجات الصغيرة من ورائها .. و استقبلتها الموجات الكبيرة كاشفة عن ثغرها الباسم .. حملتها تلك الامواج على ظهرها و أخذت تتمايل بها كالارجوحة .. و هى تضحك و تضحك و تغنى .. و الموجات تهمس فى أذنيها بكل أناشيد الزفاف .. و ترقص الأميرة مع الأمواج فى فرح لم تعرفه منذ زمن طويل .. كيف لا تفرح و فارسها الحنون ينتظرها بعد عدة ساعات ؟!

أسرع ايها الفارس .. أسرع .. فلم يبق الا القليل ..

ستقابل حفار القبور .. يتسامر مع عدوك الللدود .. و يسوى جوانبه .. و يجمّل أطرافه .. و ينثر عليه أفضل العطور و أجمل الازهار .. فعروسه قادمة بعد ساعات .. لا بل بعد دقائق ..

يحدجك القبر بنظرة ساخرة شامتة .. و يرسل إليك تحياته مع صديقه الحفار و كذلك هدية .. جمجمة صغيرة ترتسم على وجهها ضحكة الموت الساخرة .. هل تعرف تخص من هذه ؟! إنه ذلك المهرج القديم فى البلاط الملكى .. الذى طالما داعبك و حملك على كتفيه فى طفولتك .. كان هذا منذ ما يزيد عن خمسة عشر عاما .. هل قطعة العظام هذه هى كل ما تبقى من صديقك القديم ؟! .. و تتعالى ضحكات القبر .. عالية .. صاخبة .. تصم اذنيك .. تخبرك أن كل احبائك .. كلهم بلا استثناء .. مئالهم اليه مهما طال الزمان او قصر ..


توقف أيها الفارس .. لا تتحرك اكثر .. هاهو النعش قادم من بعيد .. و عبير السوسن يملأ الاجواء كما لم يحدث من قبل .. هل هى رائحة الأزهار أم أن الجسد قد صارت له رائحته الخاصة .. هل أهدت لها الازهار عبيرها عرفانا بالجميل و تقديرا للصداقة التى جمعتهما عمرا كاملا ؟!

توقف أيها الفارس .. لا تتقدم أكثر .. ان قلبك ينبض بقوة كما لم ينبض من قبل .. كأنما ينبض لإحياء جسدين و ليس جسد واحد .. يريد لو يقتسم معها دماؤه الحارة الدافئة .. يريد لو يقتسم معها روحه و أيام عمره الباقية .. لكن فات الاوان ايها القلب المسكين ....

*هذه الخواطر مستوحاة من مسرحية هاملت لشكسبير


فكأن آخر دمعة للكون قد نُِزحت بآخر أدمعى لرثائى
وكأنى آنست يومى زائلا فرأيت فى المرآة كيف مسائى

أوفيليا
فبراير 2005

0 تـعــلـيقـات: